في عالمنا المعاصر، يُعد التعاون من القيم الأساسية التي تعزز الروابط بين الأفراد والمجتمعات. فقد دعا الإسلام إلى تعزيز هذه القيمة من خلال العديد من التعاليم والنصوص القرآنية. فالتعاون يسهم في تقديم الدعم والمساندة للجميع، ويشجع على بناء مجتمع متماسك ومؤمن بقيم الخير. لذا، يقع على عاتقنا مسؤولية فهم وتطبيق قيم التعاون كما وردت في التعاليم الإسلامية.
ايه تدل على التعاون
تحدث الله تعالى في العديد من الآيات عن أهمية التعاون بين المسلمين، مُشيرًا إلى رغبة الله في التآلف فيما بينهم. من بين هذه الآيات قوله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” (سورة آل عمران، الآية: 103). في هذه الآية، يُشدد الله على أهمية الألفة والتآخي، محذرًا من الانفصال والتفرق، إذ إن ذلك يؤدي للهلاك، بينما الالتفاف حول بعضهم يجلب النجاة.
- قال ابن مسعود -رضي الله عنه- إن من الواجب عدم التفرق في الدين، والابتعاد عن الهوى والأغراض الشخصية، ليظل المسلمون إخوة في الله، متجنبين التصادم والفرقة.
- ينبغي أن نلاحظ ما ذكره الله في قوله: “وأصبحتم بنعمته إخواناً”، حيث تأكيده على أن من نعم الله أن جعل المسلمين إخوة متحابين.
سورة التعاون
يقول الله -تبارك وتعالى-: يا أيها الذين آمنوا، لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا. وإذا حللتم فاصطادوا. ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى. ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله. إن الله شديد العقاب (سورة المائدة، الآية: 2). في الآية الكريمة، يأمرنا الله بالتعاون على البر والتقوى.
- يروي الأخفش، أحد كبار المفسرين، أن الجزء المتعلق بالتعاون هو أمر للجميع، ويعني أن تساعدوا بعضكم البعض في التقرب إلى الله.
- هذا التفسير يدل على أن الله يأمرنا بمعاونة بعضنا في تجنب المحرمات.
- استند هذا التفسير إلى حديث نبوي رواه أنس بن مالك – رضي الله عنه – إذ أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن رجل جاء ليسأل، حيث أرشده النبي لشخص آخر لمساعدته، مؤكدًا أن الدال على الخير كفاعله.
- بعض المفسرين أطلقوا على سورة المائدة “سورة التعاون” بسبب الآية المعروفة التي تتعلق بالتعاون.
كم مره ذكر التعاون في القرآن
ذكرت كلمة التعاون فقط مرتين في الآية الثانية من سورة المائدة، واحدة بالأمر والثانية بالنفي. لكن يُستخدم العديد من المشتقات مثل أعان واستعان في عدة آيات، كما تم الإشارة إلى معاني التعاون بين المسلمين بشكل واسع، في ظل تعاون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع المسلمين في نصرة دين الإسلام. ومن هذه الآيات قوله -تبارك وتعالى-:
- (محمد رسول الله، والمؤمنون الذين معه قويون في مواجهة الكفار، رحماء بينهم. تراهم يسجدون ويركعون يبتغون فضلا من الله ورضوانا. تظهر ملامح السجود على وجوههم. هذا هو مثالهم في التوراة والإنجيل، مثل الزرعة التي أخرجت شجرتها ثم أعانتها فاستقامت ونمت وجذورها ثابتة في الأرض، فيعجب بها الزارع ويغضب بها الكفار. وعد الله المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم بالمغفرة والأجر العظيم) (سورة الفتح، الآية: 29)
حديث عن التعاون للأطفال
حثَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أحاديثه الصحيحة على التعاون، وإن لم يظهر لفظ التعاون بشكل صريح، لكنه كان يركز على مساعدة الآخرين. ومن تلك الأحاديث، حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَة، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مَعْسُورٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ” (حديث صحيح)
- يرى بعض العلماء أن هذا الحديث يعبر عن أهمية تقديم المساعدة والفائدة للمسلمين في جميع جوانب حياتهم، سواء من خلال العلم أو المال أو القدرة على الدعم.
أمثلة عن التعاون في الإسلام
شددت الشريعة الإسلامية على تعزيز التعاون بين المسلمين في جميع المسائل الخيرية، وحرمت التعاون في المعاصي، ومن أمثلة التعاون في الإسلام.
التعاون في الدعوة والجهاد
بدأ التعاون بين المسلمين منذ بداية الإسلام في مجال الدعوة والجهاد، حيث كانت الصداقة بين المهاجرين والأنصار مثالًا حيًا على التعاون.
- تعتبر غزوة الخندق دليلاً كبيرًا على التعاون بين الصحابة والنبي – صلى الله عليه وسلم – حيث شارك الصحابي سلمان الفارسي في حفر الخندق، وذلك بإشارة ذكية منه، وتم الاتفاق عليه بين الصحابة.
- لقد حفر الصحابة الخندق معًا، وقد أظهروا تضحية كبيرة ليحافظوا على دينهم، مما يعكس نموذجًا مشرّفًا للتعاون في خوض المعارك في سبيل الله.
التعاون في طلب العلم
من أشهر أمثلة التعاون في طلب العلم هو الفاروق عمر – رضي الله عنه- الذي كان يتعاون مع جاره الأنصاري، حيث كانا يتناوبان على حضور دروس النبي – صلى الله عليه وسلم-، وعندما يلتقيا، يشاركان بعضهما تفاصيل ما تعلماه خلال اليوم.